عبد الوهاب الشعراني

537

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

« أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال في الدّنيا : ولها يجمع من لا عقل له » رواه الترمذي . فجعل من يجمع الدنيا مجنونا وهو يؤيد ما ذكره الصوفية ، فإن من كان كثير الوقوع في المعاصي والشبهات فهو قليل العقل بيقين لأن العقل ما سمي بذلك إلا لعقله صاحبه عن المخالفات . فعلم أنه لا ينبغي على هذا التقدير لكثير المعاصي أن يتقدم لأوائل الصفوف وإنما ينبغي ذلك لمن كان سالما منها . قلت : ولعل هذا كان مشهد من نقل عنه الوقوف في أواخر الصفوف من الأولياء كسيدي أحمد الزاهد وسيدي مدين وسيدي محمد الغمري رضي اللّه عنهم ، فقد أخبرني جماعة من أصحابهم أنهم لم يروهم قط يصلون في غير الصف الأخير ويقولون : قد بلغنا أن الرحمة تستقر في الصف الأخير ، وإذا غفر لأهل صف غفر لمن وراءهم ، وربما كانوا يظنون بأنفسهم السوء وأن فيها سائر العيوب . وقد قيل مرة لسيدي الشيخ أبي العباس الغمري رحمه اللّه : لم لا تصلي في الصف الأول ؟ فقال لست من أهل الصف الأول حتى أتقدم إليه ، فقيل له ومن أهله فقال من لم تتلطّخ جارحة من جوارحه بذنب أو لم يصر على خطيئة لحظة ، فقيل له اعتقادنا فيكم أنكم كذلك بحمد اللّه فقال أنا أعلم بنفسي ولم يزل يصلي في الصف الأخير إلى أن مات ا ه . وهذا ما عليه أئمة الصوفية الذين تحفهم هيبة اللّه عز وجل وكشف الحجاب عنهم فلو أقمنا لأحدهم الأدلة على أن يقف في الصف الأول لا يستطيع من هيبة اللّه عز وجل والحياء منه ، وأما ما عليه جمهور الفقهاء والمحدثين فهو مطلوبية الوقوف في الصف الأول لكل بالغ عاقل البلوغ المشهور . والعقل المشهور الذي بنيت عليه أحكام التكليف ، ويميز به بين الحسن والقبيح ولو لم يعمل بعلمه حتى صار معدودا من الفسقة بخلاف البلوغ والعقل في مصطلح أهل اللّه عز وجل من الصوفية ، فإن البلوغ عندهم هو بلوغ الشخص أوج مراتب الكمال في الولاية والعقل عندهم الاشتغال بما هو الأولى في كل وقت حتى لا يكتب عليه كاتب الشمال أبدا شيئا على أن العلة التي فهمها الصوفية من حديث : « ليلني منكم أولو الأحلام والنهى » يقبلها العقل ولا يردها إذا حملنا أولو النهى على العقل الكامل الذي يحجز صاحبه عن المعاصي ، فكما أن الصوفية دائرون مع العلة التي هي عدم جمع الدنيا فإن وجدت عندهم تقدموا إلى الصف الأول وإن فقدت تأخروا ، فكذلك جمهور العلماء دائرون مع ظاهر أحاديث الشريعة ولو فقدت العلة ، كما داروا مع ظاهر الشريعة في المواضع التي وردت على سبب مثل الرمل في الأشواط الثلاثة في طواف القدوم فإن العلة قد زالت ، وهي أن الصحابة كانوا يرون الكفار قوتهم وجلدهم